أبي بكر الكاشاني
236
بدائع الصنائع
حق العبد لقدر على ابطاله كالرق وإذا كان حق الله تعالى فالناس في اثبات حقوقه خصوم عنه بطريق النيابة لكونهم عبيده فكان حضرة الواحد كحضرة الكل والقضاء على الواحد قضاء على الكل لاستوائهم في العبودية كالورثة لما قاموا مقام الميت في اثبات حقوقه والدفع عنه لكونهم خلفاءه فقام الواحد منهم مقام الكل لاستوائهم في الخلافة بخلاف الملك فإنه خالص حق العبد فالحاضر فيه لا ينتصب خصما عن الغائب الا بالإنابة حقيقة أو بثبوت النيابة عنه شرعا واتصال بين الحاضر والغائب فيما وقع فيه الدعوى على ما عرف ولم يوجد شئ من ذلك فالقضاء على غيره يكون قضاء على الغائب من غير أن يكون عنه خصم حاضر وهذا لا يجوز ولو شهد الشهود ان هذه الحنطة من زرع حصد من أرض هذا الرجل لم يكن لصاحب الأرض أن يأخذها لأنه يحتمل أن يكون البذر لغيره وملك الزرع يتبع ملك البذر لاملك الأرض ألا ترى ان الأرض المغصوبة إذا زرعها الغاصب من بذر نفسه كانت الحنطة له لو شهدوا ان هذه الحنطة من زرع هذا أو هذا التمر من نخل هذا يقضى له لان ملك الحنطة والتمر يتبع ملك الزرع والنخل ولو قالوا هذه الحنطة من زرع كان من أرضه لم يقض له لأنهم لو شهدوا انه حصد من أرضه لم يقض له فهذا أولى ولو شهدوا أن هذا اللبن وهذا الصوف خلاب شاته وصوف شاته لم يقض له لجواز أن تكون الشاة له وحلابها وصوفها لغيره بأن أوصى بذلك لغيره هذا الذي ذكرنا كله في دعوى الخارج الملك فاما دعوى الخارجين على ذي اليد الملك فنقول لا تخلو في الأصل من أحد وجهين اما ان يدعى كل واحد منهما قدر مال يدعى الاخر واما ان يدعى أكثر مما يدعى الآخر فان ادعى كل واحد منهما قدر ما يدعى الآخر فهو على التفصيل الذي ذكرنا أيضا وهوان البينتين اما ان قامتا على ملك مطلق عن الوقت واما ان قامتا على ملك موقت واما ان قامت إحداهما على ملك مطلق والأخرى على ملك موقت وكل ذلك بسبب أو بغير سبب فان قامت البينتان على ملك مطلق من غير سبب فإنه يقضى بالمدعى بينهما نصفان عند أصحابنا وللشافعي رحمه الله قولان في قول تتهاتر البينتان ويترك المدعى في يد صاحب اليد وفى قول يقرع بينهما فيقضى لمن خرجت له القرعة منهما وجه قول الشافعي رحمه الله ان العمل بالبينتين متعذر لتناف بين موجبهما لاستحالة كون العين الواحدة مملوكة لاثنين على الكمال في زمان واحد فيبطلان جميعا إذ ليس العمل بإحداهما أولى من العمل بالأخرى لاستوائهما في القوة أو ترجح إحداهما بالقرعة لورود الشرع بالقرعة في الجملة ( ولنا ) ان البينة دليل من أدلة الشرع والعمل بالدليلين واجب بالقدر الممكن فان أمكن العمل بهما من كل وجه يعمل من كل وجه وان لم يمكن العمل بهما من كل وجه يعمل بهما من وجه كما في سائر دلائل الشرع من ظواهر الكتاب والسنن المشهورة وأخبار الآحاد والأقيسة الشرعية إذا تعارضت وهنا ان تعذر العمل بالبينتين باظهار الملك في كل المحل أمكن العمل بهما باظهار الملك في النصف فيقضى لكل واحد منهما بالنصف ولو قامتا على ملك موقت من غير سبب فان استوى الوقتان فكذلك الجواب لأنه إذا لم يثبت سبق أحدهما بحكم التعارض سقط التاريخ والتحق بالعدم فبقي دعوى الملك المطلق وإن كان وقت أحدهما أسبق من الآخر فالأسبق أولى بالاجماع ولا يجئ هنا خلاف محمد رحمه الله لان البينة من الخارج مسموعة بلا خلاف والبينتان قامتا من الخارجين فكانتا مسموعتين ثم ترجح إحداهما بالتاريخ لأنها أثبتت الملك في وقت لا تعارضها فيه الأخرى فيؤمر بالدفع إليه إلى أن يقوم الدليل على أنه بأي طريق انتقل إليه الملك وان أرخت إحداهما وأطلقت الأخرى من غير سبب يقضى بينهما نصفين عند أبي حنيفة ولا عبرة للتاريخ وعند أبي يوسف يقضى لصاحب الوقت وعند محمد يقضى لصاحب الاطلاق وجه قول محمد ان البينة القائمة على الملك المطلق أقوى لان الملك المطلق ملكه من الأصل حكما ألا ترى انه يظهر في الزوائد وتستحق به الأولاد والاكساب وهذا حكم ظهور الملك من الأصل ولا يستحق ذلك بالملك الموقت فكانت البينة القائمة عليه أقوى فكان القضاء بها أولى ( وجه ) قول أبى يوسف رحمه الله ما ذكرنا ان البينة المؤرخة تظهر الملك في زمان لا تعارضها فيه البينة المطلقة عن التاريخ